‫الرئيسية‬ منوعات متفرقات طلاء الجامع وإهمال الكنيسة: صورة تثير الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي
متفرقات - 24 سبتمبر، 2018

طلاء الجامع وإهمال الكنيسة: صورة تثير الغضب على مواقع التواصل الاجتماعي

شعور من الاعتزاز يغمرك بهويتك وبماضيك الزاخر بقيم انسانية في قمة الرقي وأنت تشاهد مسجدا وكنيسة كاثوليكية منتصبان جنبا إلى جنب في مدخل المهرين من معتمدية البطان بولاية منوبة في تجسيد واضح للتعايش السلمي والمحبة والتسامح بين أبناء الديانتين الاسلامية والمسيحية في السنين الماضية.

ولكن، وبمشاعر أخرى من الاسى والحزن، تشاهد ما وصل إليه حال الكنيسة الكاثوليكية، ذات الطراز الروماني الثمين، من تقادم واهتراء ينذر باندثرها قريبا إذا لم تمتد إليها يد الصيانة والاصلاح، خصوصا وأنها معلم غير مصنف بحسب ما أكدته مصالح المعهد الوطني للتراث.

الكنيسة الكاثوليكية بالمهرين دار حولها جدل كبير هذه الايام على صفحات التواصل الاجتماعي، واستنكر الجميع إهمالها والتغافل عن طلاء جدرانها المتاكلة رغم دهن سور المسجد الملاصق لبنايتها والاعتناء به ووصف البعض هذا الامر بأنه تصرف يسيئ للاسلام ،ولا يعكس سماحة هذا الدين، ولا يعبر عن اخلاق المسلمين وتسامحهم وقدرتهم على التعايش مع الاديان الاخرى في كل الحقب التاريخية.

هي بناية صغيرة من الطراز المعماري الروماني شيدت سنة 1929 في عهد الحماية الفرنسية، بحسب وثيقة تاريخية للكنيسة، وتطلب انشاؤها إعلان كنيسة طبربة “أبرشية” ( أصغر وحدة في النظام الكنسي )، كان ذلك سنة 1901، وتم للغرض توزيع عدد من رجال الدين على مختلف المناطق ومنها المهرين التي عين بها “كائن رعية مقيم”، ليتم لاحقا بناء الكنيسة كدار للعبادة تتكون، شانها شان أغلب الكنائس الكاثوليكية الموجودة في تونس، من صحن واحد يتم الوصول اليه عبر مدخل برج الجرس.

ووفق نفس الوثيقة، فان الكنيسة بنيت على مساحة 6,551 هكتار، وفرطت فيها الدولة التونسية بالبيع لرئيس اساقفة قرطاج في 1922 بمبلغ 30 الف فرنك، وقد تم استغلالها إلى حين تاريخ الجلاء في 12 ماي 1964 الذي استرجعت بموجبه الدولة التونسية جميع العقارات الفلاحية، وقامت بتأميم ما تبقى من الأراضي بيد المعمرين، لتختفي الطائفة المسيحية بالمنطقة ويتوقف نشاط الكنيسة نهائيا في 1964، وذلك بعد الاتفاق التونسي الفرنسي القاضي بالتنازل عنها للحكومة التونسية على ان لا تستغل إلا للمصلحة العامة وفي انشطة ذات علاقة بدورها الاساسي كدار عبادة.

الكنيسة بدت في حالة متقدمة من التداعي، دون أي مظهر جمالي أو حضاري، فقد ترهلت جدرانها، وسقطت أسقفها ونوافذها، وتحطم جزء من أعمدتها وأسوارها وحجارتها التاريخية، وتحول صحنها إلى وكر للزواحف والقوارض، وأرضيتها منبتا خصبا للاعشاب الطفيلية والاشواك.

برجها الشاهق انطفأ بريقه وجرسها خمدت دقاته منذ سنوات، وجدرانها أصبحت ملاذا آمنا للحمام الذي عشش بها منذ 54 سنة، أرضيتها أضحت مصبا للفضلات في مشهد آلم قلوب الاهالي ومرتادي المسجد المحاذي لها، وقد استغربوا تواصل التهميش والاهمال لهذه الكنيسة التي اصبحت خرابة، ولم يتم استغلالها كمرفق عمومي ينفع أهالي المنطقة خاصة انها ملاصقة للمدرسة الابتدائية، وتتوسط المنطقة الريفية، وبالامكان أن تصبح مكتبة، او ناد، او متحف وليس بناية آيلة للسقوط تشكل تهديدا للمساكن الملاصقة لها.

رئيسة بلدية البطان مبروكة الصالحي أكدت ل”وات” أن ما يروج حول دهن الجامع وإهمال الكنيسة لا أساس له من الصحة، لان هذا المعلم الاثري لا يمكن التدخل به باي شكل من الاشكال سواء بالترميم أو الدهن إلا بترخيص من المعهد الوطني للتراث، في حين أن هذا الامر متاح بالنسبة للمسجد، ولذلك أمكن للامام ولعدد من فاعلي الخير التدخل لدهنه وتحسينه .

وقالت إن هذا المعلم، إضافة إلى عدد من المعالم الاثرية الاخرى ببلدية بطان، تتطلب اشغال ترميم وتهيئة حتى تستعيد بريقها وتستغل كمرفق ترفيهي او ثقافي قادر على إدراج هذه المنطقة الضاربة في التاريخ في مسلك سياحي ينوع من قاعدتها الاقتصادية التنموية ويعيد لها اشعاعها التاريخي، وقد تعهدت بأنه سيتم التنسيق بين المجلس البلدي الجديد ومصالح المعهد الوطني للتراث لايجاد الحلول لمختلف المعالم المهددة بالاندثار بما يطمس جزء من ذاكرة المنطقة.

يذكر أن كنيسة المهرين التي لم ترصد لها اية اعتمادات للترميم، ولم تصنف كمعلم اثري، هي واحدة من ضمن مجموعة من كنائيس كاثوليكية تقع بولاية منوبة منها كنسية القديسة فيليسيتاس وكنيسة القديسة بربيتو بطبربة التي تم استغلالها كمكتبة ويجري العمل على تحويلها الى متحف اثري، وكذلك كنائس الشويقي والمرناقية وشباو وبرج العامري، وكنيسة السيدة بمنوبة، وذلك حسب قائمة الكنائس المذكورة في اتفاق التسوية المؤقتة بين الحكومة التونسية والفاتيكان الموقع في 10 جويلية 1964.

كما تتوفر البطان على قائمة هامة من المعالم الاثرية من أقدمها “هنشير الحثرمين” جنوب شرق سد البطان، ثم موقع مهرين، وجرش الجربي الخزفي، ومقبرة المهرين التي احتوت قبورها على مزهريات وصحون من الخزف الرفيع واجزاء من الفيسفساء التي تم الاحتفاظ بها بمتحف باردو، وكذلك سد قنطرة البطان وهو من أضخم الأعمال المائية التي أنشئت بالبلاد وشيدت في عهد يوسف داي سنة 1025هـ/ 1616م، وعرفت إصلاحات كبيرة في فترة محمد باي (1086هـ-1675م )، فضلا عن مصنع الشاشية ومركز تربية الخيول وكلها معالم تتطلب ترميمات وتدخلات عاجلة لانقاذها من الاندثار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

‫شاهد أيضًا‬

بعد قبول إستقالة وزير الصحة الشاهد يتحول إلى مستشفى وسيلة بورڨيبة

علمت موزاييك أن رئيس الحكومة يوسف الشاهد قد تحول منذ قليل إلى مستشفى وسيلة بورقيبة بالعاصم…